الشيخ محمد رشيد رضا
223
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما - بسبب ان الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح ان يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ووجهه ظاهر مما تقدم اه ، أقول : الوجه عندي في ذلك أنهما الأوليان باليمين في الأصل لأنهما منكران واليمين على من أنكر ، وكان المقام مقام الاضمار - بأن يقال : من الذين استحقا عليهم الاثم - فوضع المظهر وهو الأوليان موضع الضمير لإفادة أن الأصل في الشرع أن تكون اليمين عليهما ولكن استحقاقهما الاثم بما ظهر من حنثهما اقتضى ردها أي اليمين إلى الورثة ( فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ : لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا ) أي يحلفان على أن ما يشهدان به من خيانة الشهيدين اللذين شهدا على وصية ميتهما أحق وأصدق من شهادتهما بما كانا شهدا به ، وانهما ما اعتديا عليهما بتهمة باطلة أو ما اعتديا الحق فيما اتهموهما به إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي ويقولان في قسمهما إنا إذا اعتدينا الحق وقلنا الباطل لداخلون في عداد الظالمين لأنفسهم بتعريضها لسخط اللّه تعالى وانتقامه ، والظالمين لمن ائتمنه ميتهم ، وظلمهما محرم عليهم * * * ثم بين تعالى حكمة شرعه لهذه الشهادة وهذه الايمان ، في هذا الامر المبني على الثقة والائتمان ، فقال ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي ذلك الذي ذكر من تكليف المؤتمن على الوصية القيام على مشهد من الناس بعد الصلاة وإقسامه تلك اليمين المغلظة أقرب الوسائل إلى أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها بلا تغيير ولا تبديل ، تعظيما للّه ورهبة من عذابه ورغبة في ثوابه ، أو خوفا من الفضيحة التي تعقب استحقاقهما الاثم في الشهادة برد أيمان إلى الورثة بعد أيمانهم تكون مبطلة لها ، فمن لم يمنعه خوف اللّه وتعظيمه ان يكذب أو يخون لضعف دينه يمنعه خوف الفضيحة على أعين الناس وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي واتقوا اللّه أيها المؤمنون في الشهادة والأمانة وفي كل شيء واسمعوا سمع إجابة وقبول هذه الأحكام وسائر ما شرعه اللّه تعالى لكم ، فإن لم تتقوا وتسمعوا كنتم فاسقين عن أمر اللّه تعالى